الشيخ محمود الشحات أنور shahatquran

• •

الشيخ محمود الشحات أنور سفير فوق العادة يحظي ببروتوكولات الرؤساء والملوك

الشيخ محمود الشحات أنور
من قرية “كفر الوزير” إلى بروتوكولات الملوك

  • سفير القرآن فوق العادة.. فيوضات هزت القلوب
  • الظاهرة الشحاتية.. عبقرية الأداء في دولة التلاوة وصوتٌ لا يشبه إلا نفسه
  • الحنجرة المهاجرة بالحق.. من قلب الريف المصري لصدارة المشهد العالمي
  • هو موهبة استثنائية وسليل مدرسة “أمير النغم” ووارث الأوتار الذهبية، الذي استطاع بصوتٍ ينساب كالشلال، وإحساسٍ يفيض بالوجد، أن يأسر قلوب الملايين عبر القارات، ويشيد صرحاً جديداً في “دولة التلاوة الحديثة”، محولاً التلاوة من طقسٍ مهيب إلى رحلة روحانية عابرة للحدود واللغات. قارئٍ للملوك والرؤساء، وسفير فوق العادة، طوع التكنولوجيا الحديثة لخدمة النص المقدس، فصارت فيديوهاته ملاذاً للشباب، وصوته جسراً عبر منه التائهون إلى رحاب الإسلام. في هذه السطور، نبحر في أعماق رحلة الشيخ محمود الشحات أنور؛ من غرفته الصغيرة بقرية “كفر الوزير” إلى منصات التكريم العالمية، لنكتشف كيف يصنع الإخلاص من الحنجرة البشرية آيةً في الجمال، وكيف يظل القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي تتجدد مع كل جيل.

النشأة في بيت قرآني
وُلد الشيخ محمود الشحات محمد أنور في العاشر من سبتمبر عام 1984، بقرية كفر الوزير التابعة لمركز ميت غمر محافظة الدقهلية، ونشأ في بيت قرآني بامتياز. كان والده هو القارئ الكبير الشيخ الشحات محمد أنور، ووالدته أيضاً كانت من حفظة كتاب الله وممن يحفظون الأطفال في منطقتهم. حفظ القرآن الكريم كاملاً على يد والده وهو في سن الثانية عشرة من عمره، ودرس في الأزهر الشريف بكلية الدراسات الإسلامية والعربية وتخرج فيها عام 2004. حصل في بداياته على المركز الأول في المسابقة الدولية بجمهورية مصر العربية عام 1997، وكُرّم من رئيس الجمهورية في ليلة القدر وهو في سن الثالثة عشرة، لتبدأ من هنا مسيرته العالمية.

أمير النغم وشهادة الميلاد
لم تكن طفولة محمود الشحات طفولة عادية، فقد كان ينام ويستيقظ على أصوات الترتيل التي تهز جدران منزله الريفي البسيط. كان يراقب والده، ذلك العملاق الذي أطلق عليه محبوه “أمير النغم”، وهو يستعد للحفلات، يراقبه كيف يضع عمامته، وكيف يغلق عينيه حين يندمج مع الآيات.
يروي الشيخ محمود لحظة الاكتشاف التاريخية في حياته قائلاً: “كنت في سن صغيرة، جالساً في غرفتي أتلو القرآن وحدي، ولم أكن أعلم أن والدي يستمع خلف الباب. فجأة دخل عليّ وقال لي بابتسامته المعهودة: ‘صوتك جميل يا محمود’.. ومن هنا بدأت حياتي.” كانت تلك الكلمات بمثابة “صك المرور” الذي منحه الثقة ليقف أمام الجماهير. بدأ الوالد يشرك ابنه في المسابقات، وكان يراهن على موهبته الفذة، حتى قال لأحد المستمعين يوماً بثقة الأب الخبير: “إن محمود سيكون قارئاً خطيراً وعالمياً.”
ولم يخب ظن الأب؛ ففي عام 1997، وقف الطفل محمود ذو الثلاثة عشر ربيعاً على منصة التكريم في ليلة القدر، ليتسلم جائزة المركز الأول في حفظ القرآن وعذوبة الصوت من رئيس الجمهورية، وسط ذهول الحاضرين من قوة حنجرته التي لا تناسب عمره الصغير. كان هذا التكريم نقطة التحول التي وضعت الطفل الموهوب على طريق العالمية، وتم ترشيحه للقراءة في المحافل الرسمية الكبرى منذ نعومة أظفاره.

المبدأ والمسار الأزهري المستقل
رغم النجاح المبكر، كان على محمود الشحات أن يشق طريقه العلمي، فالتحق بالأزهر الشريف، منبع القراء والعلماء. في أروقة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، صقل الشيخ محمود موهبته بالعلم الشرعي، وفهم أصول اللغة والتفسير، مما جعل تلاوته لاحقاً تلاوة “فقيه” يدرك مواضع الوقف والابتداء، وليس فقط قارئًا يمتلك حنجرة حسنة.
بعد تخرجه عام 2004، اتخذ الشيخ محمود قراراً مصيرياً تعلمه من مدرسة والده، وهو “المبدأ”. لم يلهث خلف الوظائف الحكومية الإدارية، ولم يزاحم على المناصب، بل قرر أن يهب حياته بالكامل للقرآن الكريم. كان يؤمن أن القارئ يجب أن يحدد مساره بوضوح؛ فإما أن يكون قارئاً أو مبتهلاً، لأن خلط المهن يشتت التركيز ويضعف الهيبة. صرح مراراً: “عملي الوحيد والأساسي هو تلاوة القرآن الكريم، فهي مهنة شريفة تستحق التفرغ التام.” وأضاف مؤكداً على فلسفته: “القارئ يجب أن يحترم مكانته وتخصصه، فالقرآن أسلوب حياة وليس قراءة فقط.”

عبقرية الأداء والنفس الطويل
عندما تستمع للشيخ محمود الشحات، فأنت تشاهد لوحات مرسومة بالصوت. يمتلك الشيخ مدرسة فريدة في “تصوير المعنى”، يوظف مقاماته الموسيقية لخدمة الآية. في آيات الجنة، ينساب صوته برقة وعذوبة تفتح أبواب الأمل، وفي آيات الوعيد، يتحول صوته إلى رعد يهز الوجدان ويحرك القلوب الراقدة.
يعد “النفس الطويل” أحد أهم الأسلحة الفنية التي يمتلكها الشيخ محمود، وهي ميزة ورثها بالفطرة عن والده وطورها بالتدريب والممارسة الرياضية المستمرة، خاصة المشي والجري. يرفض الشيخ محمود تماماً فكرة “سرقة النفس” (أخذ نفس خفي أثناء القراءة) ويعتبرها غير شرعية وتنافي احترام جلال القرآن، مؤكداً أن القارئ يجب أن يحترم أحكام التجويد أولاً، ثم يأتي النغم ثانياً كخادم للمعنى.
خلف الميكروفون، يعيش الشيخ محمود حالة من الوجد الصوفي يصفها بـ “الفيوضات الربانية”، يقول: “أحياناً أشعر أنني انفصلت عن الواقع وانتقلت بروحي إلى مكان آخر كالمدينة المنورة، وهذا الشعور هو الذي ينتقل للجمهور.” ومن المدهش أنه رغم شهرته العالمية، لا يزال يشعر بـ “توتر وارتباك شديد” قبل كل تلاوة وكأنه يقرأ لأول مرة، ولا يهدأ إلا بالبدء في ذكر الله واستشعار المدد الإلهي.

سفير فوق العادة
بروتوكولات الملوك والرؤساء.. انطلق الشيخ محمود نحو العالمية بسرعة الصاروخ. فبعد أن كان قارئًا في قرى الدقهلية، صار سفيراً للقرآن في لندن، وباريس، وجنوب أفريقيا، وإندونيسيا، وأمريكا. كان أول قارئ مصري يقرأ في إذاعة القرآن الكريم في لندن وبريطانيا، ويسجل القرآن بصوته لينتشر في المراكز الإسلامية حول العالم.
ولم يكن لقب “قارئ الملوك والرؤساء” شعارًا، بل واقعاً ملموساً. في رحلاته الرسمية، كان يُستقبل ببروتوكولات لا تمنح إلا لرؤساء الدول. فرئيس دولة باكستان نفذ له بروتوكولاً رسمياً كاملاً كرئيس جمهورية، مما جعله أول قارئ يحصل على هذا التقدير السيادي. كما كرمه رئيس دولة جزر القمر في مقابلتين رسميتين، واحتفت به مملكة البحرين كأفضل قارئ للقرآن في القرن الحادي والعشرين باستقبال رسمي مهيب.
رغم هذه الأضواء، يظل الشيخ محمود معتزًا بهويته المصرية قائلاً: “أنا أمثل مصر في كل دول العالم، وليس فقط الدول الإسلامية، وأنا جندي يرفع اسم بلده من خلال القرآن الكريم.” واعتبر انتشاره العالمي “قوة ناعمة” لمصر تعيد للأذهان أمجاد العظماء الخمسة الكبار في دولة التلاوة المصرية الذين شكلوا الوجدان الإسلامي في القرن العشرين، ووضعوا القواعد الذهبية لفن الترتيل والتجويد، وأصبحت أصواتهم هي المرجع لكل من جاء بعدهم.
والشيخ محمود الشحات أنور يُعتبر من قبل النقاد والجمهور امتداداً لهذه المدرسة العريقة، وهؤلاء العظماء هم:

  • الشيخ محمد صديق المنشاوي: صاحب “الصوت الباكي”، عُرف بخشوعه الرهيب وأدائه الذي يلمس شغاف القلب مباشرة.
  • الشيخ عبد الباسط عبد الصمد: “صوت مكة” و”حنجرة الأرض”، صاحب الشهرة العالمية الواسعة والنفس الطويل والأداء الساحر الذي جذب الملايين للإسلام.
  • الشيخ مصطفى إسماعيل: “ملك المقامات” وقارئ الملوك، عُرف بعبقريته في التنقل بين المقامات الموسيقية وتصوير معاني القرآن بشكل لم يسبقه إليه أحد.
  • الشيخ محمود خليل الحصري: “شيخ المقارئ”، صاحب الأداء المنضبط والترتيل المتقن، وهو المرجع الأول في أحكام التجويد ومخارج الحروف.
  • الشيخ الشحات محمد أنور (والد الشيخ محمود): “أمير النغم”، الذي انضم لهذه القائمة كونه أحدث طفرة في عصر التلاوة الحديث، وتميز بمدرسة خاصة تجمع بين عذوبة الصوت وقوة الإحساس والتلوين النغمي الفريد.
    عندما يُقال إن الشيخ محمود الشحات هو امتداد لهؤلاء، فذلك لأنه استطاع الحفاظ على “هيبة الرعيل الأول” مع إضفاء “روح العصر”، مما جعله القارئ الأكثر تأثيراً في جيل الشباب الحالي.

إسلام الأجانب
من أعظم الإنجازات في مسيرة الشيخ محمود هو الدور الدعوي لتلاوته. يروي الشيخ بصدق وتواضع أن صوته كان سبباً في إشهار إسلام أكثر من 17 شخصاً من الأجانب في دول مختلفة. ففي أوكرانيا وحدها، أعلن 10 أشخاص إسلامهم دفعة واحدة بعد تأثرهم بالجمال الروحاني لتلاوته في المساجد هناك. كما حدثت مواقف مشابهة في جنوب أفريقيا وبريطانيا وأمريكا.
يقول الشيخ محمود عن هذه اللحظات: “قمة النجاح هي أن يكون صوتي سبباً في هداية الناس.” هؤلاء الأجانب لم يفهموا العربية، لكن “جمال الوحي” وصل إلى أرواحهم، ليثبت أن القرآن رسالة عالمية تخاطب القلوب قبل العقول، وأن هذا القبول هو محض فضل من الله وليس مهارة شخصية فحسب.

نجم دولة التلاوة الحديثة
استطاع الشيخ محمود الشحات أن يكسر الصورة النمطية للقارئ التقليدي، ليصبح “نجم” دولة التلاوة الحديثة. بذكاء فطري، استغل وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسالته، فحصدت فيديوهاته على قناته “شاهد تي في” ملايين المشاهدات. صار الشباب والأطفال يتابعونه كقدوة، ويقلدون تلاوته، ويبحثون عن صوره، وهو ما اعتبره تطوراً نوعياً في تاريخ القراء.
لم يكن هذا النجاح ليغير من شخصيته شيئاً؛ فهو يرى أن لا تعارض بين كونه قارئاً للقرآن وبين ممارسته لحياته كشاب يواكب عصره. يرتدي الملابس العصرية “الكاجوال”، ويمارس الرياضة، ويحب الجمال، وصرح قائلاً: “لا يوجد تعارض بين كوني قارئاً للقرآن وبين ممارسة حياتي كشاب، طالما ألتزم بصلاتي وأخلاقي وأصول ديني.” هذا الانفتاح الواعي جعله “فتحاً جديداً” في عالم التلاوة، وجذب جيل الشباب الذين وجدوا فيه قارئاً مستنيراً يرفض التزمت ويحب الحياة.

أبي الذي علمني الحياة
في الثالث عشر من يناير من كل عام، يتوقف الزمن عند الشيخ محمود ليحيي ذكرى رحيل والده الشيخ الشحات أنور. كتب يوماً بكلمات تفيض حباً من النرويج: “أبي الحبيب يا من علمتني حب القرآن فعرفت معنى الحياة.. أنت من أمسكت بيدي على دروبها، أجدك معي في ضيقي، وأجدك حولي في فرحي.. منك وحدك تعلمت كيف أكون مؤمناً محباً للقرآن.”
يعتبر الشيخ محمود نفسه امتداداً لمدرسة والده، تلك المدرسة التي تقوم على “الإحساس والخشوع”. وبرغم استقلالية أسلوبه، إلا أنه يعتز بكونه سليل هذه العائلة التي خلدت اسمها بمعاهد قرآنية في لندن وإندونيسيا. يذكر الشيخ محمود بامتنان دور أخيه الأكبر الشيخ أنور الشحات الذي احتضنه في بداياته، ويؤكد دائماً أن “الأصل الطيب” والبر بالوالدين هو السر الحقيقي خلف كل نجاح وصل إليه.

طقوس الخلوة وجهاد النفس
خلف الألقاب الفخمة، توجد شخصية تحرص على “مقاومة النفس”. يقول الشيخ إنه بعد كل استقبال حافل في الخارج، يختلي بنفسه مع المصحف ليذكرها بأنه “خادم للقرآن” فقط. في شهر رمضان، ينقطع الشيخ عن العالم تقريباً، مخصصاً وقته للورد اليومي، وقد سجل رقماً مذهلاً بختم القرآن 12 مرة في شهر واحد كنوع من الاجتهاد الشخصي.
وفي حياته الخاصة، يميل إلى الهدوء والسكينة، ويقضي وقته مع أسرته وأطفاله (أحمد ومحمد)، ويستمد طاقته من الجلوس معهم. صرح برأيه الشخصي في الاكتفاء بـ “زوجة واحدة” لبناء بيت مستقر، مؤكداً أن القرآن هو الذي ينظم وقته ويبارك في بيته. كما يحرص الشيخ محمود وأشقاؤه على تخصيص عوائد قناته على اليوتيوب لحساب جمعية خيرية أسسوها، لتكون زكاة عن موهبتهم.

الدكتوراة الفخرية
تجاوز تأثير الشيخ محمود حدود المناسبات الدينية ليدخل الوجدان الوطني المصري. فقد استخدمت تلاواته كخلفية لمشاهد مؤثرة في أعمال درامية وطنية كبرى مثل مسلسل “الاختيار”، وهو ما اعتبره تقديراً لمكانة القارئ. كما حظي بشرف القراءة بجوار الروضة الشريفة بالمدينة المنورة في حفل حضره قضاة الحرمين، وهو موقف يصفه بأنه من أجمل لحظات العمر.
وتقديراً لهذا الأثر، حصل الشيخ محمود على الدكتوراه الفخرية من الأكاديمية الأمريكية بنيويورك في بحث تناول “تأثير القرآن بصوته على الأسرة والمجتمع”. كما نال جائزة “ملهم” الدولية من الأمم المتحدة، ليكون بحق ملهماً لجيل جديد يبحث عن الأصالة في قالب عصري.

مدرسة الشحات أنور
يؤكد الشيخ محمود أن مدرسة والده لم تمت، بل انتشرت عالمياً. يصف صوت والده في الثمانينيات بأنه كان يشبه “تغريد الطيور”، ويحرص على سماع تلاواته النادرة ليغذي روحه. يرى الشيخ أن النجاح الحقيقي في أن يظل القارئ “ماركة مسجلة” تُعرف بمجرد سماعها، وهو ما تحقق له باعتراف المخرجين والمنتجين والمتخصصين الذين رأوا فيه امتداداً للعظماء بختم أصالة مصري خالص.

الصدق والقبول
يثبت الشيخ محمود الشحات أنور أن دولة التلاوة المصرية، بجذورها الضاربة في أعماق التاريخ، لا تزال قادرة على تجديد دماء الإبداع، وتقديم نماذج تلهم الأجيال وتجذب القلوب في عصر الصخب الرقمي.
إن هذا الانتشار العالمي الواسع، وتلك الدموع التي سالت من عيون الأعاجم خشوعاً، وهذه البروتوكولات الرسمية التي لم تزد صاحبها إلا تواضعاً، هي كلها ثمار غرسٍ بدأ بحفظ الحروف، وانتهى بالعيش في رحاب المعاني. سيبقى صوت الشيخ محمود شاهداً على أن القرآن الكريم لا يحده زمان ولا يقيده مكان، وأن القارئ المخلص هو الذي يجعل من صوته مرآةً تنعكس عليها أنوار الوحي. وبينما تستمر تسجيلاته في حصد الملايين، ويواصل الشباب حول العالم محاكاته وتقليده، يظل هو واقفاً في محرابه، يرفع النداء الخالد، ويؤكد للعالم أجمع أن مصر ستبقى دائماً “منارة التلاوة” التي لا ينطفئ نورها، مادام فيها من يحمل القرآن في قلبه قبل حنجرته، ليظل أثر الشيخ محمود حياً في القلوب، ممتداً في الآفاق، وباقياً ما بقي الكتاب المسطور.