✍️ طارق إبراهيم
هناك تلاواتٌ تُسمَع، وهناك تلاواتٌ تُعاش، وتلاوة الشيخ محمود الشحات أنور تنتمي إلى النوع الثاني؛ لأنها لا تتعامل مع الآية على أنها كلمات متتابعة، بل على أنها رحلة شعورية يعيشها القارئ قبل أن ينقلها إلى المستمع.
ويتجلى ذلك بوضوح عندما يتلو قول الله تعالى:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾.
لا يبدأ الشيخ محمود الآية بوصفها افتتاحًا صوتيًا، وإنما يمنح كلمة ﴿رَبِّ﴾ مساحة من الوقار تجعل السامع يشعر أن النداء قد سبق اللفظ، وكأن القلب هو الذي نطق قبل اللسان.
ثم ينتقل إلى ﴿إِنِّي﴾ انتقالًا هادئًا، فيتحول المشهد من نداءٍ عام إلى اعترافٍ شخصي، وكأن الآية تضيق دائرتها حتى لا يبقى فيها إلا عبدٌ يقف بين يدي ربه.
وعندما يبلغ ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، لا يكتفي بإخراج الحروف، بل يحمّلها إحساس الاعتراف وثقل الخطأ، فيشعر المستمع أن الكلمة لا تمر على أذنه، بل تستقر في وجدانه.
ثم تأتي ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾، وهنا تتبدل ملامح الأداء؛ فيغدو الرجاء حاضرًا في نبرة الصوت، ويشعر السامع أن كل ما سبق كان تمهيدًا لهذه اللحظة، لحظة التعلق برحمة الله.
وحين يصل إلى ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾، يتغير الإحساس مرة أخرى، وكأن التلاوة نفسها انتقلت من الانكسار إلى الطمأنينة، ومن ثقل الذنب إلى سعة المغفرة. وهنا يلمس المستمع أثر الانتقال بين المعاني قبل أن يلتفت إلى جمال الانتقال بين النغمات.
وهذه إحدى السمات البارزة في أداء الشيخ محمود الشحات أنور؛ فهو لا يجعل المستمع يتابع ترتيب الكلمات فحسب، بل يتابع ترتيب المشاعر التي تحملها الآية. ولذلك يبقى المعنى في القلب، حتى بعد أن ينتهي الصوت.
إن سر تأثيره ليس في قوة الصوت وحدها، ولا في جمال الأداء وحده، بل في قدرته على أن يجعل المعنى هو قائد التلاوة، فيسير الصوت خلف القرآن، لا أن يسير القرآن خلف الصوت.
ولهذا، فإن من يستمع إلى الشيخ محمود الشحات أنور لا يخرج وهو يتذكر جمال صوته فقط، بل يخرج وهو يحمل معنى الآية في قلبه، وكأنه عاشها لحظةً بلحظة.

أضف تعليق