
تقرير…
✍️ طَارِقُ إبراهيم
هُنَاكَ آيَاتٌ تَحْتَاجُ إِلَى قَارِئٍ لَا يَكْتَفِي بِإِخْرَاجِ الْحُرُوفِ بَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُشْعِرَ الْمُسْتَمِعَ بِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَحَرَّكُ أَمَامَهُ وَمِنْ أَبْلَغِ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ تِلَاوَةُ الشَّيْخِ مَحْمُودِ الشَّحَّاتِ أَنَوَرُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾
حِينَ يَبْدَأُ الشَّيْخُ بِكَلِمَةِ ﴿اللَّهُ﴾ تَشْعُرُ أَنَّ الصَّوْتَ يَسْتَقِرُّ أَوَّلًا فِي الْقَلْبِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْأُذُنِ وَكَأَنَّهُ يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِاسْتِقْبَالِ مَعْنًى لَا يُشْبِهُ سَائِرَ الْمَعَانِي
ثُمَّ تَأْتِي ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَيَتَّسِعُ الْأَدَاءُ اتِّسَاعًا يَتَنَاسَبُ مَعَ سَعَةِ الْمَعْنَى حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى الْمُسْتَمِعِ أَنَّ الْأُفُقَ كُلَّهُ قَدِ امْتَلَأَ نُورًا وَأَنَّ الْكَلِمَاتِ لَمْ تَعُدْ أَصْوَاتًا بَلْ مَشَاهِدَ تُرَى بِالْوِجْدَانِ
وَعِنْدَمَا يَصِلُ إِلَى ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ يَتَغَيَّرُ الْأَدَاءُ بِرِفْقٍ وَكَأَنَّ الشَّيْخَ يَنْتَقِلُ بِالْمُسْتَمِعِ مِنْ رَحَابَةِ الْكَوْنِ إِلَى دِقَّةِ الصُّورَةِ الَّتِي يَرْسُمُهَا الْقُرْآنُ فَيَقُودُ السَّامِعَ مِنَ الْمَعْنَى الْعَامِّ إِلَى التَّفَاصِيلِ الْبَدِيعَةِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِانْقِطَاعٍ
ثُمَّ يَتَدَرَّجُ مَعَ أَلْفَاظِ الْآيَةِ ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ فَتَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ تُسَلِّمُ الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى تَكْتَمِلَ اللَّوْحَةُ الْقُرْآنِيَّةُ فِي ذِهْنِ الْمُسْتَمِعِ كَمَا أَرَادَهَا اللَّهُ
وَهُنَا تَتَجَلَّى خُصُوصِيَّةُ الشَّيْخِ مَحْمُودِ الشَّحَّاتِ أَنَوَرُ فَهُوَ لَا يُسْرِعُ إِلَى نِهَايَةِ الْآيَةِ بَلْ يَمْنَحُ كُلَّ صُورَةٍ حَقَّهَا مِنَ التَّأَمُّلِ وَكَأَنَّهُ يَدْعُو الْمُسْتَمِعَ إِلَى أَنْ يَرَى بِعَيْنِ قَلْبِهِ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْآيَاتُ
إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُمَيِّزُ تِلَاوَتَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ الْمُسْتَمِعَ مُعْجَبًا بِالصَّوْتِ فَحَسْبُ بَلْ مُنْشَغِلًا بِالْمَعْنَى فَيَغِيبُ الْإِعْجَابُ بِالْأَدَاءِ أَمَامَ جَلَالِ الْقُرْآنِ وَيُصْبِحُ الصَّوْتُ وَسِيلَةً لِإِظْهَارِ النُّورِ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْآيَةُ لَا غَايَةً فِي ذَاتِهِ
وَلِهَذَا حِينَ يَنْتَهِي الشَّيْخُ مِنْ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يَبْقَى فِي الذَّاكِرَةِ جَمَالُ النَّغَمِ وَحْدَهُ بَلْ يَبْقَى أَثَرُ النُّورِ الَّذِي حَمَلَتْهُ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِلَى الْقَلْبِ وَكَأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تُتْلَ فَقَطْ بَلْ أَضَاءَتْ شَيْئًا فِي دَاخِلِ كُلِّ مَنْ أَنْصَتَ إِلَيْهَا
هُنَاكَ لَحَظَاتٌ لَا يَكُونُ فِيهَا الصَّوْتُ نَاقِلًا لِلْمَعْنَى بَلْ يَكُونُ الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يَسْتَعِيرُ الصَّوْتَ لِيُعْرَفَ

أضف تعليق